محمد بن علي الشوكاني

5711

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

من بدع الضلالة ، وحصل الغلو في أمور الحق فيها لله أنه لم يجر في تركها ، وشرعنا - ولله الحمد - محفوظ ، وما زال الخاطر مشغولا من طريق التأول لغالب الأعصر المتقادمة في عدم النكير منهم ، بل كونهم ممن يباشر الدخول في هذه الأعراف ، وهي من البدع المحذر منها المنهي عنها في هذه الدعوة بأقرب ما باذلته لهم مع قصوري وجهلي بحقائق الشريعة أنه لم يثبت عندهم بدعية هذه الأعراف ، وإن هي لم تؤثر عن أهل القرون الممدوحة بالخيرية على لسان خير البرية ، فعلها أقل أن تكون من الفعل المباح لا يعاقب فاعله ، ولا يثاب تاركه ، وأن البدعة المحذر منها ، المنهي عنها هو أن يقع من المبتدع زيادة في الدين ، أو نقص منه كنفي ما ذكره الله ورسوله ، أو إثبات ما لم يذكره الله ورسوله ؛ لأن الشرع قد ورد بحصر الواجبات والمحرمات والبدعة التي هي الضلالة المخالفة لما جاء به الكتاب والسنة في العقائد ، وتفاصيل الفرائض ، وسائر أركان الإسلام فالزيادة في الدين كتفاسير أهل الغلو ، وبدع المشبهة ، والنقص كرد النص الظاهر . فهذه البدع ذات الخطر العظيم ؛ لأن معرفة البدعة غامض ، فما لم يرد في بدعيته الموبقة لفظ مأثور ينبغي التوقف عن الجزم ببدعيته المحذر منها المنهي عنها ، وقد يكون من البدع الصلوات التي لم يرد فيها أثر صحيح ، ويجعلونها سنة كصلاة النصف من شعبان ( 1 )

--> ( 1 ) قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله في " لطائف المعارف " ( ص 144 ) : كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة ، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها . وقيل : أنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك ، فمنهم من قبله منهم ووافقهم على تعظيمها ، منهم طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم ، وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز ، ومنهم عطاء وابن أبي مليكة ، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة وهو قول أصحاب مالك وغيرهم وقال : ذلك كله بدعة . واختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين : 1 - ) : أنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد ، كان خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما يلبسون فيها أحسن الثياب ويتبخرون ويكتحلون ويقومون في المسجد ليلتهم تلك ، ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك ، وقال في قيامها في المساجد جماعة : " ليس ذلك ببدعة " نقله عنه حرب الكرماني في " مسائلة " . 2 - ) : أنه يكره الاجتماع فيها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه ، وهذا قول الأوزاعي - إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم - وهذا هو الأقرب إن شاء الله تعالى " . وهناك أحاديث ولكنها موضوعة في إحياء ليلة النصف من شعبان . قال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية في كتاب " ما جاء في شهر شعبان " . قال أهل التعديل والتجريح : ليس في حديث ليلة النصف من شعبان حديث يصح . انظر " الباعث على إنكار البدع والحوادث " ( ص 52 ) . وقد ذهب المحدث الألباني إلى تصحيح الحديث الوارد في فضل ليلة النصف من شعبان بمجموع طرقه ، ولفظه : " يطلع الله تبارك وتعالى إلى خلقه ليلة النصف من شعبان ، فيغفر لجميع خلقه ، إلا لمشرك أو مشاحن " . انظر : " الصحيحة " رقم ( 1144 ) .